السنة والأباضية في سلطنة عمان: وحدة الماضي وشراكة المستقبل

* لا أحد ينكر عراقة الوجود السني في السلطنة، كما هو الحضور الأباضي الذي التصق منذ عشرات القرون بجذور الأرض العمانية، كما أن صفحات التاريخ ورياض هذه الأرض الطاهرة سطرت بدماء وتضحيات ومنجزات الطائفتين الكبيرتين بعكس ما تروجه بعض المصادر القديمة عن احتكار الماضي لطائفة دون أخرى.
ولولا الروابط القوية والمشتركات المتينة التي بنيت عبر فترات زمنية بعيدة في الذاكرة العمانية، فإننا لن نتمكن من معايشة الواقع الحالي الذي يخضع بالأساس لفسيفساء التنوع المذهبي بقطبيه الرئيسيين السنة والأباضية، حيث يتقاسم المنتمون لهاتين الطائفتين جميع ملامح الحياة الحاضرة من الوجود المكاني إلى الانتماء القبلي.
هذا لا ينفي وجود إرث تاريخي يقبع في العقلية المسلمة يحمل معه كثير من الخلافات الفقهية والتناقضات العقائدية، ولا يمنع أيضا وجود عقول مرتبطة بأوبئة الماضي وأمراض التاريخ التي تمني النفس دائما باحتكار الدين والتاريخ والوطن والمستقبل لفئة دون أخرى.
وبعيدا عن تفاصيل الخلافات المذهبية وقدسية الأفكار العقائدية التي لا تهم عامة الناس في الوقت الحاضر عدا فئة المتشددين في كلتا الطائفتين، فإن تقوية عوامل الارتباط وتعزيز أسس الاتحاد بين الطائفتين كانت بالدرجة الأولى من ضمن مسؤوليات الدولة الحديثة في عمان حيث استطاعت خلال الأربعين عاما الماضية زرع بذور التقريب الفكري وتعظيم مساحات الشراكة الوطنية وتعميق صور المساواة الاجتماعية والاقتصادية والتعبدية في ظل مجتمع ناشئ وتقليدي علت فيه نغمة القبيلة وعصفت به متغيرات الزمن.
تلك السياسات ساهمت في صعود لغة الوعي التي سرعان ما لاقت صدى واسع بين أبناء المجتمع مما مهد إلى تعزيز أفكار التكاتف وعناصر التعاون طيلة العقود السالفة، ليفرز لنا الحاضر وحدة وطنية تمثلت صورها بتكاثر روابط الصهارة واكتظاظ دور العبادة بأبناء الطائفتين دون تحديد هوية هذا المسجد أو ذاك.
أخيرا فإن الحفاظ على نعمة الوحدة في أي بلدا كان ليس بالأمر السهل خصوصا عند ظهور ملامح أزمات كبرى بإمكانها بعث أفكار عنصرية من ملفات التاريخ وتهيج نفوس ضعيفة لازالت تتمسك بأوهام الأمة الفاضلة وخرافات الماضي البعيد، وبإستطاعتها تهشيم نوافذ الوحدة أمام التدخلات الاجنبية والاطماع الخارجية حتى تعزف على أوتار المذهبية والقبلية وشتى الفروقات فتعبث بأمن واستقرار الوطن والمجتمع.
عند هذه النقطة المهمة وفي هذا الوقت الحساس تبرز مهمة الدولة ومصلحة المجتمع وغاية الفرد في عمان من أجل انتاج نموذج فريد جدا في المنطقة العربية يعلي راية المواطنة فوق كل الاعتبارات ويعمل على تقوية صور التلاحم بصورة أوسع ويسارع في معالجة أوجه النقص في هذه العلاقة بين ركني الوطن الواحد من خلال قنوات متعددة ووسائل متباينة وجهود متضافرة وتضحيات كبيرة، حتى نتمكن من خلق وحدة وطنية رائعة ولحمة شعبية نادرة تذوب معها كل الصعاب والمحن والاختلافات فتصبح ذات تأثيرا أكبر وحضور أعمق في بنية الوطن وهيكلية المجتمع وعقلية الفرد عبر العقود والحقب القادمة.
بحيث يتم تطهير العقول وتنظيف القلوب من أي ولاءات مذهبية وعرقية وطائفية عدا الولاء للوطن فلا صوت يعلو فوق عقيدة حب الوطن وتنمية الولاء المطلق له، عندئذ سنصبح كعمانين في طليعة الشعوب العربية ومقدمة البلدان المسلمة التي تخلصت سريعا من عقدة وداء التصعب المذهبي.
لـ : هيثم بن سليمان البوسعيدي
البريد الإلكتروني: Haitham_sulieman2020@yahoo.com














